
قبل أن نواصل أقترح عليكم هذه الاستراحة الخفيفة مع صور من مدينة بنغازي مدينتي التي أعيش فيها
وبعدها سأحدثكم من خلال تجارب شخصية عن تغير المناخ فيها .
هذه الصور التقطت في الفترة التي كنت أكتب فيها هذا البحث في شهر يوليو 2004 وحاولت فيها التركيز على البشر
وليس على المباني
فالمدينة تتميز بأهلها وقاطنيها
وليس بفنادقها ومبانيها.
اللعب والجري ألذ وأفضل للاولاد من كل الالعاب التلفزيونية والالكترونية
الاولاد يمرحون والآباء مستلقون في الهواء الطلق
والنساء بالذات تعشق الحديث في الهواء الطلق
عندما يبتعد الانسان عن المكيفات يدرك أنه حر ولديه متسع للنظر والتفكر
أول ما يحس به الزائر للمدينة هو الهدوء والسكينة وطقسها المعتدل
ثم يبدأ يكتشف طيبتها وعفويتها
وبعد الاحتكاك بأهلها يحس بحنانها الذي يتحول عند البعد عنها إلى حنين
مدينتي التي أعيش فيها هي مدينة بنغازي والتي أطلقت عليها منذ سنوات صفة عاصمة الثقافة في ليبيا فراق لمثقفيها اللقب.
هذه المدينة تتميز بموقع فريد من بين كل المدن العربية الواقعة على السواحل الجنوبية للبحر الابيض المتوسط ، فبنغازي يطل عليها البحر من جهة الغرب وليس من جهة الشمال كالاسكندرية وطرابلس والجزائر.
وعندما تغرب الشمس تبدو كقرص ذهبي يسقط بحافة الافق في البحر.
تنفرد بنغازي بموقعها الفريد فهذا المنظر للغروب على البحر الابيض المتوسط لا يظهر في سواها
Due to the unique location of Benghazi this sunset scene can not be seen in any of the other
cities on the southern shores of the Mediterranean .
هذا الوضع الفريد ساهم في تلطيف جوها طول العام فالرياح الساخنة تلفحها بشدة فقط عندما تكون جنوبية شرقية ولكن عندما تكون الرياح جنوبية غربية فإن مرورها على الخليج يلطفها ويرطبها. وموقعها هو أشبه بموقع بيروت وصيدا بلبنان ولكنها أكثر دفئا.
يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 800,000 نسمة من بينهم عدد كبير من العرب والافارقة الذين ينحدرون من دول جنوب الصحراء ومعظمهم يستقر هنا فقط ليهاجر إلى أوروبا إما قانونيا أو بالتسلل عبر البحر في السفن العائدة إلى أوروبا ،ومنهم من يطيب له المقام فيستقر إلى حين.
أما العرب فنسبة كبيرة منهم من السودان ثم من مصر ومن الشام وفلسطين والعراق ودول المغرب العربي
إلا أنهم سرعان ما تصبح لهجاتهم كلهجات أهل المدينة ينصهرون في فسيفساء المدينة الممتد عبر التاريخ حتى القرن السادس قبل الميلاد عندما كان يقطنها اليونانيون ويسمونها "يوسبيريدس" والتي لا زالت آثارها التاريخية قائمة حتى يومنا هذا.
اللهجة الشرقاوية هي التي يتحدث بها سكان الجزء الشرقي من ليبيا إبتداء من أمساعد شرقا وحتى السدرة غربا إلى الكفرة جنوبا
وتوجد لهجة ليبية أخرى وهي اللهجة الغرباوية ويتحدث بها سكان الجزء الغربي من ليبيا وتتسم بالحدة والسرعة شأنها في ذلك شأن اللهجة التونسية بينما اللهجة الشرقاوية تتميز بالاناءة والسلاسة مثل لهجات دول الخليج العربي .
وبالرغم من أن المنطقة الشرقية هي محصورة بين مصر شرقا وطرابلس غربا وكل منهما له لهجته المميزة إلا أن اللهجة الشرقاوية هي الاقرب للهجات دول الخليج العربي ، تظهر هذه الخاصية بالذات في الشعر الشعبي وكان مفاجأة للكثيرين.
وهناك تباين واضح بين اللهجتين الشرقاوية والغرباوية بالرغم أنهما لدولة واحدة .
ويرجع هذا إلى الجغرافيا التي عزلت تاريخيا الشق الشرقي عن الشق الغربي والسبب في هذا كله هو المناخ فمنذ أمد بعيد والامطار تهطل على الجبال الموجودة بالشرق والغرب إلا ان المنطقة الوسطى ظلت صحراء مقفرة فصارت كالحاجز الطبيعي بين الشقين.
فالحديث عن المناخ له شجون وتشعبات.
الطقس أثر أيضا على المصطلحات المستحدثة لشباب مدينة بنغازى
فتسمع السؤال التقليدي عند اللقاء هذه الايام هو "شجو؟" (بتشديد الجيم وتنطق "شج جو؟" مدمجة)
بمعنى "شنو الجو ؟"
How's the weather ?
ولكنه سؤال عام عن الحال كقولك "كيف أمورك ؟"
وتسمعه من شبابها كما تسمعه من العرب والافارقة المقيمين فيها
هناك مصطلح آخر منتشر بين الشباب وهو "صقع" بمعنى صقيع
فكل ما هو جميل ورائع أو فائق في الجودة هو صقع
فالسيارة الفارهة الجديدة هي صقع
وآخر إصدار من أحسن برنامج رسوميات هو صقعع
وتمريرة الكرة المخادعة الذكية هي صقع عليك It is too cold for you
والكواعب أو النواهد يوصفن بأنهن صقعععع
وقد يوصف هذا البحث بأنه صقع
التغير المناخي الذي يحس به سكان بنغازى الآن صار لا يخفى على أحد فالشتاء هنا لم يعد قارصا كما كان والصيف صار لطيفا بعد أن تعودناه لافحا ،بل إنه في هذه الايام ( في منتصف شهر يوليو 7 ) فإننا وبعد صلاة الظهر نستطيع أن نتمشى في الشارع في الشمس ولا نحس بضيق من حرارة الشمس . وهناك من يقول مازحا أن فصل الصيف قد ألغي هذا العام.
والغريب أن الامطار قد هطلت في شهر يونيو ( 6 ) ونزلت بعض الرخات من المطر في هذا الشهر يوليو ( 7 ) أيضا، ومن العادة أن تتوقف الامطار كلية في شهر مايو(5).
إعتدال الطقس هي هبة من المولى عز وجل لا يعرف قيمتها إلا من يفقدها شأنها في ذلك شأن كثير من النعم الاخرى مثل الامن والفراغ والصحة.
خلال الشهر الماضي ( شهر يونيو 6 ) هبت على بنغازي فجأة عاصفة باردة أدت إلى إصابة الآلاف بالزكام وجعلت الناس يرتدون معاطفهم الشتوية ولم يحدث هذا من قبل فيما يتذكر سكانها.
درجات الحرارة في بنغازى هذه الايام تتراوح بين 20 و30 درجة مئوية ليلا ونهارا. والرطوبة النسبية أقل من نظيراتها على الساحل الجنوبي للبحر الابيض المتوسط مثل الاسكندرية وطرابلس ومصراته ولعل ذلك راجع أيضا لطبيعة الموقع فعندما تهب الرياح من الشمال الشرقي فهي لا تهب عليها مباشرة من البحر بل تمر على بعض المناطق الجبلية في شمالها الشرقي.
ولدي إقتراح لمن يعاني من الضيق من رطوبة الجو
علاج بسيط لمشكلة الرطوبة
الانتقال للجزء التالي - الساسة والعسكر والمناخ
www.morooj.com